فخر الدين الرازي

155

المطالب العالية من العلم الإلهي

الاستدلال : أن النحويين قالوا : لفظ « ما » مع ما بعده في تقدير المصدر . فقوله : وَما تَعْمَلُونَ معناه : وعملكم . وعلى هذا التقدير ، صار معنى الآية : واللّه خلقكم وخلق عملكم . فإن قيل : هذه الآية حجة عليكم من وجوه : الأول : إنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخا لهم على عبادة الأصنام ، لأنه تعالى بيّن أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام ، والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق ، فلما تركوا عبادته - سبحانه - مع أنه خالقهم . ثم عبدوا الأصنام ، لا جرم أنه - سبحانه - وبّخهم على هذا الخطأ العظيم . فقال : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ « 1 » . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ؟ وَما تَعْمَلُونَ ؟ ولو لم يكونوا فاعلين لأفعالهم وموجدين لها ، لما جاز توبيخهم عليها . سلمنا : أن هذه الآية ليست حجة عليكم . لكن لا نسلم أنها حجة لكم . أما قوله : « إن كلمة « ما » مع ما بعده في تقدير المصدر » قلنا : هذا ممنوع . وبيانه : أن « سيبويه » و « الأخفش » اختلفا في أنه هل يجوز أن يقال : أعجبني ما قمت . أي قيامك ؟ فجوزه « سيبويه » ومنعه « الأخفش » وزعم : أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي . وذلك يدل على أن « ما » مع ما بعده في تقدير المفعول عند « الأخفش » . سلمنا : أن ذلك قد يكون بمعنى المصدر ، لكنه أيضا قد يكون بمعنى المفعول . ويدل عليه وجوه : الأول : قوله : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ؟ والمراد بقوله : ما تَنْحِتُونَ المنحوت . لا النحت ، لأنهم ما عبدوا النحت ، وإنما عبدوا الأصنام المنحوتة . الثاني : قوله : فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ « 2 » وليس المراد بها أنها

--> ( 1 ) سورة الصافات ، آية : 95 . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية : 117 .